ابن قيم الجوزية

71

الطب النبوي

رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب ، فإن الله عز وجل يطعمهم ويسقيهم ( 1 ) " . قال بعض فضلاء الأطباء : ما أغزر فوائد هذه الكلمة النبوية ، المشتملة على حكم إلهية ، لا سيما للأطباء ولمن يعالج المرضى . وذلك : أن المريض إذا عاف الطعام أو الشراب ، فذلك : لاشتغال الطبيعة بمجاهدة المرض ، أو لسقوط شهوته أو نقصانها : لضعف الحرارة . الغريزية ، أو خمودها . وكيفما كان : فلا يجوز حينئذ إعطاء الغذاء في هذه الحالة . واعلم أن الجوع إنما هو : طلب الأعضاء للغذاء ، لتخلف الطبيعة به عليها ، عوض ما يتحلل منها ، فتجذب الأعضاء القصوى من الأعضاء الدنيا ، حتى ينتهى الجذب إلى المعدة ، فيحس الانسان بالجوع ، فيطلب الغذاء . وإذا وجد المرض : اشتغلت الطبيعة بمادته وإنضاجها وإخراجها ، عن طلب الغذاء أو الشراب . فإذا أكره المريض على استعمال شئ من ذلك : تعطلت به الطبيعة عن فعلها ، واشتغلت بهضمه وتدبيره عن إنضاج مادة المرض ودفعه . فيكون ذلك سببا لضرر المريض ، ولا سيما في أوقات البحارين ( 2 ) ، أو ضعف الحار الغريزي ، أو خموده . فيكون ذلك زيادة في البلية ، وتعجيل النازلة المتوقعة . ولا ينبغي أن يستعمل في هذا الوقت والحال ، إلا ما يحفظ عليه قوته ويقويها ، من غير استعمال مزعج للطبيعة البتة . وذلك يكون بما لطف قوامه : من الأشربة والأغذية . واعتدال مزاجه : كشراب اللينوفر ( 3 ) والتفاح والورد الطري ، وما أشبه ذلك . ومن الأغذية : أمراق الفراريج المعتدلة المطيبة ( 4 ) فقط . وإنعاش قواه : بالاراييج ( 5 ) العطرة .

--> ( 1 ) وأخرجه أيضا : الحاكم . اه‍ ق . ومعظم الأمراض يصحبها عدم رغبة المريض للطعام . وإطعام المريض قصدا في هذه الحالة ، يعود عليه بالضرر : لعدم قيام الجهاز الهضمي بعمله كما يجب ، مما يتبعه عسر هضم ، وسوء حالة المريض . وكل مريض له غذاء معين له ، وغالبا ما يكون غذاء قليلا سهل الهضم . ومن دلائل شفاء المريض : عودته إلى سابق رغبته في الطعام . ف‍ " لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب " اه‍ د . ( 2 ) جمع " بحران " بضم فسكون . وهو : حال من أحوال الأمراض إذا اشتدت ! ! . اه‍ ق . ( 3 ) في التذكرة : الأشهر فيه تقديم النون . وقال فيه : " فارسي معناه ذو الأجنحة . وهو : نبت مائي له أصل كالجزر ، وساق أملس ، يطول سجفه ! عمق الماء ، فإذا ساوى سطحه أورق وأزهر . إلى أن قال : وهو يعرف بمصر بعرائس النبل . اه‍ ق . ( 4 ) كذا بالأصل . وفى الزاد ( ص 92 ) : " الطيبة " . ( 5 ) جمع " أريج " . وهو : توهج ريح الطيب . والمراد : الأشياء ذوات الأريج . اه‍ ق . وهذا لفظ الأصل . وفى الزاد : " بالاراييح " بالحاء المهملة